محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

105

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وأمّا السرّ في اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ كيف قرن الصراط ب « اهْدِنَا » ، مع أنّ الهداية تعطي معنى الصراط ، وكان من الواجب أن يكتفى بذكرها ، وكذلك الصراط يعطي معنى الاستقامة وقد وصفه بها ، وعرّف الصراط المستقيم بقوم مخصوصين ، وهم الذين أنعم عليهم من النبيّين وأكّد ذلك بنفي طريق الأضداد الضالّين المضلّين أنّ الهداية يجري فيها التضادّ والترتّب . أمّا التضادّ فمثل ما ورد في قوله تعالى : يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ . فقد أثبت هداية إلى العذاب كما أثبت هداية إلى الثواب ؛ وذلك هو التضادّ ؛ وأمّا الترتّب فمثل ما ورد في قوله تعالى : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى . فقد أثبت هاديا ومهتديا ؛ وذلك هو الترتّب . قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ لنفي ذلك الضدّ ، وقوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لإثبات هذا الترتّب . وسرّ آخر : اهْدِنَا طلب الهداية ، وهو على الإطلاق ؛ وقوله : الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ تخصيص لذلك المطلق ؛ وقوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ تعيين لذلك الخاصّ ؛ وقوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ تلخيص لذلك المعيّن حتّى لا يبقى في السؤال شوب « 1 » الإجمال . وسرّ آخر : أنّ طالب الهداية لا بدّ له من هاد يسعفه إلى طلبته ؛ والهادي في الحقيقة هو اللّه - عزّ وجلّ - لكنّه أضاف هدايته إلى قوم مخصوصين قد عرّف الصراط بهم ؛ فقال : صِراطَ الَّذِينَ ( 41 ب ) أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لتعرف أنّ في العالم قوما قد أنعم اللّه عليهم بالهداية وقوما قد وفّقهم اللّه لطلب الهداية ؛ فيكون أحدهما عالما والثاني متعلّما ؛ وأحدهما هاديا والثاني مهتديا ؛ وهما مزدوجان ؛ فصار المثنى السادس من المثاني السبعة . وسرّ آخر : أنّ طالب الهداية مبتدى وله حكم المبتدأ والمستأنف ؛ والهادي للطالب منته ، وله حكم الكامل والمفروغ ؛ فيتبيّن في ذكر الفريقين حكم الكونين ، ويتحقّق كون الحكمين ؛ وأنّ العالم ليس يخلو عن الذين أنعم اللّه عليهم بالهداية ، وهم المفروغون البالغون الكاملون ، كما ليس يخلو عن الذين وفّقهم اللّه لطلب الهداية وهم المبتدؤون المتوجّهون إلى الكمال .

--> ( 1 ) . س : شوف .